الحلبي

408

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

يهلك أحد الفريقين ، ثم انصرفوا عنه ، فعظم علي بن أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ، ولم يطب نفسا بأن يخذل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال له : يا ابن أخي ، إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا فأبق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق ، فظن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن عمه خاذله وأنه ضعف عن نصرته والقيام معه ، فقال له : « يا عم واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللّه تعالى أو أهلك فيه ما تركته ، ثم استعبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أي حصلت له العبرة التي هي دمع العين فبكى ، ثم قام » فلما ولى ناداه أبو طالب فقال : أقبل يا ابن أخي ، فأقبل عليه ، فقال اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت ، فو اللّه لا أسلمك وأنشد أبياتا منها : واللّه لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا وحكمة تخصيص الشمس والقمر بالذكر وجعل الشمس في اليمين والقمر في اليسار لا تخفى ، لأن الشمس النير الأعظم واليمين أليق به ، والقمر النير الممحو واليسار أليق به وخص النيرين حيث ضرب المثل بهما لأن الذي جاء به نور ، قال تعالى : يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [ التّوبة : الآية 32 ] . ومن غريب التعبير أن رجلا كان عاملا لسيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنه فقال لسيدنا عمر : إني رأيت في المنام كأن الشمس والقمر يقتتلان ومع كل واحد منهما نجوم فقال له عمر : مع أيهما كنت ؟ قال مع القمر ، قال : كنت مع الآية الممحوة ، اذهب فلا تعمل لي عملا ؟ فاتفق أن هذا الرجل كان مع معاوية يوم صفين وقتل ذلك اليوم . فلما عرفت قريش أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له : يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد بن المغيرة أنهد . أي أشد - وأقوى فتى في قريش وأحمله ، فخذه لك ولدا : أي بأن تتبناه وأسلم إلينا ابن أخيك الذي خالف دينك ودين آبائك ، وفرق جماعة قومك ، وسفه أحلامهم فنقتله فإنما هو رجل كرجل ، فقال لهم أبو طالب : واللّه لبئس ما تسومونني أتعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه ؟ هذا واللّه لا يكون أبدا : أي وقال أرأيتم ناقة تحن إلى غير فصيلها قال المطعم بن عدي : واللّه يا أبا طالب لقد أنصفك قومك ، وجهدوا على التخلص مما تكره ، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا ، فقال له أبو طالب : واللّه ما أنصفوني ، ولكن قد أجمعت : أي قصدت خذلاني ومظاهرة القوم : أي معاونتهم عليّ فاصنع ما بدا لك : أي وقد مات عمارة بن الوليد هذا على كفره بأرض الحبشة بعد أن سحر وتوحش وسار في البراري والقفار كما سيأتي . ومات